صديق الحسيني القنوجي البخاري

570

فتح البيان في مقاصد القرآن

أنهم إذا أرادوا الاختصار أوجزوا ، هذا معلوم لكل من له علم بلغة العرب ، وهذا مما لا يحتاج إلى إقامة البرهان عليه ، لأنه إنما يستدل على ما فيه خفاء ، ويبرهن على ما هو متنازع فيه . وأما ما كان من الوضوح والظهور والجلاء بحيث لا يشك في شاك ولا يرتاب فيه مرتاب ، فهو مستغن عن التطويل ، غير محتاج إلى تكثير القال والقيل . وقد وقع في القرآن الكريم من هذا ما يعلمه كل من يتلو القرآن ، وربما يكثر في بعض السور كما في سورة الرحمن وسورة المرسلات ، وفي أشعار العرب من هذا ما لا يأتي عليه الحصر . وقد ثبت عن الصادق والمصدوق صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وهو أفصح من نطق بلغة العرب أنه كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاث مرات . وإذا عرفت هذا ففائدة ما وقع في السورة من التأكيد هو قطع أطماع الكفار عن أن يجيبهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلى ما سألوه من عبادته آلهتهم ، وإنما عبر سبحانه بما التي لغير العقلاء في المواضع الأربعة لأنه يجوز ذلك كما في قوله « سبحان ما سخر كن لنا » ونحوه . والنكتة في ذلك أن يجري الكلام على نمط واحد ، ولا يختلف ، وقيل إنه أراد الصفة كأنه قال لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق ، وقيل أن ( ما ) في المواضع الأربعة هي المصدرية لا الموصولة أي لا أعبد عبادتكم ولا أنتم عابدون عبادتي الخ . وجملة لَكُمْ دِينُكُمْ مستأنفة لتقرير قوله لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وقوله وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ كما أن قوله : وَلِيَ دِينِ تقرير لقوله : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ * في الموضعين أي إن رضيتم بدينكم وشرككم فقد رضيت بديني وتوحيدي كما في قوله : لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ [ البقرة : 139 ] والمعنى أن دينكم الذي هو الاشراك مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه إلى الحصول لي كما تطمعون ، وديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا يتجاوزه إلى الحصول لكم . وقيل المعنى لكم جزاؤكم ولي جزائي ، لأن الدين الجزاء . قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف ، وقيل ليست بمنسوخة لأنها أخبار ، والأخبار لا يدخلها النسخ ، وقيل السورة كلها منسوخة . وقال القاضي : « ولي ديني » الذي أنا عليه لا أرفضه ، فليس فيه إذن في الكفر ، ولا منع عن الجهاد فلا يكون منسوخا بآية القتال ، وقد فسر الدين بالحساب والجزاء والعبادة . وقال الحافظ ابن القيم في البدائع : وقد غلط في السورة خلائق وظنوا أنها